جلال الدين الرومي

193

فيه ما فيه

والمقصود من تلك الصلاة أي صلاته صحيحة وكاملة ، ولو أنه رأى شيئا آخر فبكى من أجل الدنيا أو من عدو تغلب عليه وكان بكاؤه من حقده أو حسده على شخص لهذه الأسباب المتعددة له فإن صلاته تعد بتراء وناقصة وباطلة . إذن علمنا أن الإيمان تمييز ، وهو الذي يفرق بين الحق والباطل وبين النقد والنقل وكل من كان غير مميز ، فهو محروم ، والآن فإن تلك الأحاديث التي نتكلم عنها ، يستفيد منها كل من كان مميزا ويحرم منها كل من كان غير مميز ، ويشبه هذا كأن يذهب شخصان عاملان إلى المدينة ومن باب الشفقة يشهدان لمصلحة رجل قروى ، ولكن الثاني من باب الجهل يقول شيئا يخالف شهادة الرجلين ، فتتبدد حينئذ نتيجة شهادة الرجلين ويضيع سعيهما وتعبهما ، وبهذا الشكل يقولون إن ذلك القروي شهد على نفسه ، إلا أنه عندما استولت عليه حالة السكر قد تغيرت حالته ، فهل هذا مميز أم لا ، هل يستحق هذا الحديث وأهله أم لا ؟ ومثل ذلك امرأة امتلأ ثدياها الزاخران باللبن وتتألم ، فتجمع جراء المحلة وتسكب لهم اللبن ، والآن فإن هذا الحديث قد سقط في يد غير مميز ومثل ذلك مثل الدر الثمين الذي وقع في يد طفل ، ولكنه لا يقدر قيمته ، ويضعون تفاحة في يده ويأخذون ذلك الدّر منه ؛ لأنه لا يميز إذن التميز شئ عظيم . أخذ والد أبى يزيد ابنه في عهد الطفولة حتى يعلمه الفقه ، ولما ذهب إلى مدرسته هناك قال أهذا فقه اللّه ؟ قالوا هذا فقه أبي حنيفة قال أنا أريد فقه اللّه ، وعندما علموه النحو قال أهذا نحو اللّه ، قال هذا نحو سيبويه قال ( ما أريد ) « 1 » .

--> ( 1 ) أي لا أريده ( المترجم ) .